حين يطرق الماضى أبواب القلب
للكاتبة / هاميس جمال
شفتها بعد سنين طويلة من الفراق…
كانت حب عمري كله، وعشت معاها أيام وسنين. قابلتها بالصدفة، وكانت زي ما هي من آخر مرة شوفنا فيها بعض: جميلة، أنيقة، ومشرقة زي شمس يوم مبهج.
وأنا بسلم عليها، حسيت برعشة غريبة هزت كياني كله، وكأن السنين رجعت بيا لورا، وكأن الزمن قرر يفتح باب كنت فاكر إني قفلته من زمان.
سرحت ونسيت… نسيت إن السنين غيرتنا، وإننا مبقيناش نفس الأشخاص اللي كانوا بيحبوا بعض زمان، وإن الحياة أخدت كل واحد فينا في طريق مختلف.
انتهى اللقاء، ورجعت بيتي، حطيت المفتاح في الباب وفتحته، لقيت زوجتي الجميلة في انتظاري. ست مفيش حاجة تتعيب عليها، لا في أخلاقها ولا في أصلها ولا في جمالها، وشاركتني حياتي، وكانت جزء من استقراري وأماني.
لكن، ولأول مرة من سنين، لقيت نفسي مشغول بحبيبة الماضي، وبالذكريات اللي رجعت فجأة تدق على باب قلبي.
عشت أيام صعبة بين نارين؛ نار مشاعر قديمة صحيت جوايا، ونار خوفي على بيتي وحياتي وزوجتي اللي ملهاش ذنب في الصراع اللي بيحصل جوايا.
وبقيت بسأل نفسي: هو أنا لسه بحبها؟ ولا أنا بحن لأيام زمان؟ وهل مجرد إن مشاعر قديمة اتحركت جوايا يبقى معنى كده إني مش بحب مراتي؟
حيرة بين قلب بيفتكر الماضي، وعقل عارف قيمة الحاضر!
دي رسالة من الرسائل الكتير اللي بتجيلي على الإيميل، وخلونا النهارده نفكر سوا في المشكلة دي، ونحاول نفهمها من جذورها، بدل ما نحكم على صاحبها أو نستعجل في تقديم الحلول.
أولًا: ليه بنحن للحب القديم رغم إن حياتنا استقرت؟
١- لأن الذاكرة ساعات بتجمّل الماضي.
إحنا مش دايمًا بنفتكر الماضي زي ما كان فعلًا؛ ساعات بنفتكر اللحظات الحلوة وننسى الخلافات والأسباب اللي خلت العلاقة تنتهي.
بنفتكر الضحكة، والكلام الحلو، ولهفة اللقاء، لكن ممكن ننسى الوجع اللي عشناه وقت الفراق.
ومع مرور السنين، الذكريات بتتحول لصورة جميلة في خيالنا، صورة ممكن تكون أجمل من الحقيقة نفسها.
٢- لأننا ساعات بنشتاق لنسختنا القديمة، مش للشخص اللي كان معانا.
ممكن تكون مشكلتنا مش إننا عايزين الحبيب القديم يرجع لحياتنا، لكن إننا مشتاقين لنفسنا وإحنا أصغر، وأخف من هموم الحياة ومسؤولياتها.
بنشتاق لأيام كانت فيها المسؤوليات أقل، والأحلام أكبر، والدنيا أبسط في نظرنا.
ولما نقابل شخص من الماضي، بنحس كأننا قابلنا جزء من عمرنا اللي فات، مش مجرد إنسان كان في حياتنا.
٣- لأن المشاعر القديمة ممكن تصحى فجأة.
مش كل مشاعر بنفتكرها معناها إنها لسه بنفس قوتها، ومش كل رعشة قلب معناها إننا لازم نرجع نعيش الحكاية من جديد.
أحيانًا اللقاء المفاجئ بيحرّك ذكريات مدفونة، وبيخلينا نعيش لحظات من الماضي بكل تفاصيلها، لكن ده مش دليل كافي إننا لسه بنحب الشخص بنفس الطريقة، أو إننا عايزين نرجع له.
في فرق كبير بين إنك تفتكر الحب، وإنك تختار تعيشه من جديد.
٤- وأحيانًا بنستخدم الماضي كمهرب من الحاضر.
لو حياتنا الزوجية بقت روتينية، أو بقينا حاسين إن مفيش اهتمام كفاية، أو إن الكلام بيننا وبين شريك حياتنا قل، ممكن العقل يهرب لذكرى قديمة كانت بتدينا إحساس مختلف.
لكن هنا لازم نسأل نفسنا بصدق: هل الشخص القديم هو اللي واحشنا فعلًا، ولا الإحساس اللي كنا بنعيشه معاه؟
والأهم: هل فيه حاجة ناقصة في حياتنا الحالية محتاجين نعالجها؟
لأن مش كل حنين معناه إن الجواز فيه مشكلة، لكن لو فيه مشكلة فعلًا، لازم نواجهها بدل ما نهرب منها.
ثانيًا: نتصرف إزاي لو لقينا نفسنا في الموقف ده؟
١- افهم مشاعرك، لكن متخليش مشاعرك تقود قراراتك.
مش مطلوب منك تنكر إن اللقاء أثّر فيك، ولا تحس بالذنب لمجرد إن ذكرى قديمة حرّكت مشاعرك.
المشاعر ساعات بتظهر من غير ما نختارها، لكن إحنا مسؤولين عن تصرفاتنا والقرارات اللي بناخدها.
اسأل نفسك: أنا عايز أرجع للشخص ده فعلًا؟ ولا أنا متأثر بالذكريات؟ وهل أنا مستعد أخاطر بحياتي الحالية علشان إحساس ممكن يكون مؤقت؟
خد وقتك في فهم نفسك، لكن متاخدش قرار مصيري وإنت تحت تأثير انفعال مفاجئ.
٢- حط حدود واضحة مع الماضي.
لو اكتشفت إن التواصل مع الحبيب القديم بيزود تعلقك بيه، يبقى لازم تحط حدود واضحة.
متبدأش تفتعل مقابلات، ومتفتحش باب كلام خاص بحجة الاطمئنان، ومتفضلش تتابع أخباره على السوشيال ميديا وتعيد إحياء مشاعر بتحاول تهدا.
ولو فيه تواصل ضروري بسبب الشغل أو ظروف تانية، خليه في حدود الضرورة والاحترام.
المقصود مش إنك تهرب من ذكرياتك، لكن إنك متحولهاش لعلاقة جديدة على حساب علاقة قائمة بالفعل.
٣- راجع علاقتك بزوجتك بصدق.
لو اكتشفت إن فيه فتور أو ملل أو مسافة بينك وبين زوجتك، متخليش الحل إنك تدور على الإحساس اللي فقدته بره بيتك.
ابدأ من بيتك.
اتكلم معاها، اسمعها، اهتم بتفاصيل يومها، وافتكروا سوا الحاجات اللي كانت بتقربكم من بعض.
جدّدوا روتين حياتكم، اخرجوا سوا، خصصوا وقت لبعض بعيد عن ضغوط الشغل والمسؤوليات.
ولو فيه خلافات متراكمة، واجهوها بهدوء بدل ما تسيبوها تكبر في صمت.
٤- افتكر إن الحب مش مجرد إحساس، لكنه كمان اختيار ومسؤولية.
الحب القديم ممكن يكون كان حقيقي وجميل، ومش لازم نقلل من قيمته علشان نقدر نكمل حياتنا.
لكن وجود مشاعر قديمة مش معناه إننا مطالبين نرجع نعيشها.
إحنا بنتغير، واحتياجاتنا بتتغير، والظروف بتتغير، ومش كل حاجة كانت مناسبة لينا في مرحلة من حياتنا هتكون مناسبة لينا دلوقتي.
ومش معنى إن القلب افتكر حد، إننا لازم نفتح له باب حياتنا من جديد.
وفي النهاية…
عزيزي صاحب الرسالة، مش هقولك إنك إنسان سيئ لمجرد إن لقاء قديم حرّك مشاعرك، ومش هقولك كمان إن كل إحساس جواك لازم تتبعه.
لكن هقولك إنك محتاج تفرّق بين الحنين والقرار، وبين الذكرى والحقيقة، وبين الحب اللي كان في الماضي والحياة اللي إنت مسؤول عنها دلوقتي.
زوجتك مش مطالبة تدفع تمن حكاية قديمة رجعت لذهنك، ومن حقها تعيش معاك وهي مطمئنة إنك بتحافظ على علاقتكم.
ولو اكتشفت إنك فعلًا مش سعيد في حياتك الزوجية، واجه الحقيقة بشجاعة، وحاول تصلح اللي تقدر عليه، بدل ما تستخدم الماضي كمهرب من مواجهة الحاضر.
وخلي بالك من حاجة مهمة جدًا: مش كل باب قديم لما بيتفتح تاني بيكون فرصة جديدة، ساعات بيكون مجرد اختبار لمدى تمسكنا بالحياة اللي اخترنا نبنيها.
الماضي ممكن يفضل ذكرى جميلة، من غير ما يكون له مكان في مستقبلنا.
لأن النضج الحقيقي مش إننا ننسى كل اللي حبيناهم، لكن إننا نعرف إمتى نسيب الذكريات في مكانها، ونرجع ندي قلوبنا ووقتنا واهتمامنا للناس اللي بيشاركوا حياتنا النهارده.

