خادم ولكن…. هبة عبد المنعم

0

أخيرًا..

أخيرًا وجدت ضالتي في هذه القرية الصغيرة.

أنا الطريد الذي لفظته الأرض كجيفة ملعونة.

لم يطب لي المقام في أي من البلدان التي ارتحلت إليها بعد أن لفظتني بلدتي الأم.

ولكن يبدو أن شِفاه الأيام قد انفرجت عن ابتسامة وحيدة بعد أجيال من العبوس.

عمل؟ من يبحث عن عمل، وقد عبّد الجهل الطريق أمام كل سلعة غامضة؟

فقط عليك أن تتظاهر بالغموض، ثم تبيع الناس أشياءك المجهولة.

⸻

من داخل داري الجديدة المتواضعة أسمع أصواتهم إذ يتصايحون ويتدافعون أمام بابها.

أصوات توسلاتهم لفراج أن يدخلهم إليّ، وهو ينهرهم، ويصر على ألا يتجاوز أحدهم الدور الذي أعطاه إياه.

⸻

تدخل إليّ شابة حسناء. لا يمكنك أبدًا الجزم إن كان الكحل في عينيها قد وضعته يد بشرية أم هي يد من السماء.

تثرثر. تشكو. تطلب، وقلبي يضمر نحوها أشياء.

 

⸻

 

امرأة عجوز تريد حلًا لزوجها الذي تزوج عليها بعد كل هذه الأعوام، وتخشى أن ينجب من زوجته الجديدة، فينقص حق أولادها في الميراث.

 

⸻

 

الطالب الذي يريد أن ينجح. الأم التي تريد زوجًا لابنتها. الجارة التي تكيد لجارتها. الزوجة التي تكره زوجة أخي زوجها بجنون. الحماة التي تريد إخضاع زوجة ابنها.

 

كلهم هنا ينتظرون الإذن بالولوج.

 

حتى العمدة طلبني ذات ليلة، فذهبت.

 

كان يرزح تحت أحمال ثقال، وأسرّ لي بشكواه. الرجل لم يعد كما في السابق، وزوجته الشابة -التي تزوجها حديثًا- صارت تتأفف من الأمر، وتبدو على وشك إذاعة السر.

 

الرجل هو أهم رجل فعلًا في البلدة. لا يمكنني العبث معه؛ فلأجرب الشيء الحقيقي الذي أملكه، والذي كنت أدخره للنهاية.

 

جميع من تعاملت معهم في السابق كان بعض الإيحاء وجوّ النصب وبضع حيل بسيطة تعلمتها من كتب السحر كافية لإبهارهم، وجعلهم يلهجون بالثناء على سري الباتع.

 

أما هذا الرجل فيستحق أن أجرب من أجله الشيء الذي زارني في تلك الليلة بعد بحث طويل في كتب السحر. كان الشيء يعدني بالقوة والثراء، ولكني كنت أخشى إتمام الصفقة التي لا بد أن يكون ثمنها ليس هيّنًا.

 

⸻

 

في هدأة الليل أجلس وحدي، وقد أعددت كل شيء.

 

الشمعة التي تكافح وحدها جيشًا من الظلام. الجمجمة العارية. أشلاء القط الممزقة. قلبه المثقوب بمسمار غليظ في إناء، وكبده المعصورة في إناء آخر. ريشات الغراب الثلاثة، وحفنة من تراب القبور.

 

⸻

 

العمدة سعيد ومنتشٍ، وإنني لمن المقربين.

 

ابتسامة الأيام تزداد اتساعًا.

 

صار التعامل مع مصعاض (الجني الذي استحضرته في تلك الليلة ليكون خادمي المطيع) أمرًا يسيرًا. لا يتطلب مني أكثر من بضع تكاليف مضحكة أجمعها له من هنا وهناك. لم يكن فيها ثمة ما يحمل على القلق سوى الأشياء التي يطلب جلبها من المقابر، وحتى هذه لم تعد مشكلة بعد أن استطاع فراج الاتفاق مع شعيشع خفير المقابر على إتمام تلك الصفقات في مقابل بضع نفحات كريمة.

⸻

ازدادت ثقة أهل البلدة بالشيخ دهشان. اسم سخيف اخترته لنفسي، ولم يلبث أن تناقلته الألسنة، وألفته الآذان.

صار الحصول على ما أريد وأشتهي أكثر سهولة من السابق بكثير. لا أحتاج إلى مصعاض في تحقيق كل ما أشتهي. هناك الكثير من البشر يتسابقون إلى تلبية أية نزوة تعنّ لي، أو تمر بخاطري.

⸻

مصعاض غاضب.

لديه بضعة طلبات لكنني آبى الامتثال.

من أين لي بقلب طفل صغير كلما اكتملت استدارة البدر؟

حتى إنه لا يقبل بقلب يأتيه من قبر منبوش. يريدني أن أنتزع قلب الطفل أمامه بمخالبي.

سأجرب معه الإقناع، وإن لم يقبل فليس هناك مشكلة.

سوف أقيده كما حررته، وأصرفه كما جئت به.

⸻

لقد صار حضوره ثقيلًا. لم أعد أشعر أنه خادمي. على نحو ما صرت أنا خادمًا له.

لقد كف عن المطالبة بقلوب الأطفال، ولكنه كلفني بشيء آخر. لم يعد هناك شك الآن في تحديد من منا يخدم الآخر.

⸻

في صوان الملابس أخفي هذا التمثال الذي أعطاني إياه.

للتمثال ذات الهيئة وذات الملامح التي تمثل ذلك الشيطان الصغير. تمثال صغير لا يتعدى طوله ما بين الرسغ والكوع، ولكنه يتمتع بحضور طاغٍ كأنما يحتل الغرفة بأسرها.

صلاتي كل ليلة أمام التمثال.

قرابيني الصغيرة التي أجعلها تحت قدميه.

تبادلي معه الدور الذي كان مرسومًا منذ البداية بشكل آخر.

كل هذا لم يخفف من حدة غضبه.

بل صار يهدد بهدم العالم فوق رأسي.

والأدهى أنه يعلم أنني جربت التعويذة التي كان من المفترض أنها أعدت لإحراقه، ولكنها فشلت تمامًا.

لقد جاء ليبقى، وليستبقيني أنا في العذاب المهين.

على أية حال. ما زال لا يرفض مساعدتي في إخضاع البشر وخداعهم، ولا زال البشر قادرين على منحي ما أريد.

⸻

المشكلة أنه يطلب أيضًا الخروج إلى العلن.

أن يترك الصوان، ويحتل في بيتي مكانًا ظاهرًا.

يريدني أن آمر كل من يقصدني بالجلوس تحت قدميه ووضع النذور والهدايا عندهما، ثم الإسرار له بحاجاتهم ومشاكلهم.

ومن ثم يأذن لي هو بمقابلتهم، ويمنحني مساعدته.

كيف لي أن أقنع البلدة أن الشيخ دهشان الذي منّ الله عليه بالفتح والنور، والذي يعتزمون جعل بيته ضريحًا بعد وفاته، يأمرهم بالسجود للصنم القبيح؟

لن أعدم شابًا متحمسًا يقتلني ذات مساء.

⸻

إلى المقابر أتجه. تحت إبطي يربض الكتاب الأصفر الذي يحوي سر الخلاص.

من بين هذه الصفحات سأتلو التعويذة التي ستحرق مصعاض إلى الأبد، ولكنها ستضعني تحت رحمة سيده صاعور.

صاعور سيقوم بالمهمة من أجلي، ولا يبدو أنه يطالبني بالكثير.

يحب صاعور اللهو كثيرًا. يريد التحكم في حياة البشر.

يريد الولوج إلى بيوتهم وإفزاعهم حتى الموت. أن يلقي بعض النجاسات في ماء الشرب. أن يطلق الحشرات والآفات على زروعهم. أن يذبح الطيور البيضاء ويستحيي السوداء.

في كل هذا سأمنحه أنا القدرة على الوصول إلى ما يريد.

يحتاج مثلي لإتمام تلك المهمة.

وفي المقابل سوف يقوم الليلة بحرق مصعاض أمام عينيّ.

⸻

تعويذة، وأخرى. سطر وآخر، ثم ظهر الاثنان.

صاعور، وأمامه مصعاض.

يبدو أن الأمور تجري على ما يرام.

الخوف يبدو، والخضوع على وجه مصعاض الذي لطالما انحنيت أمامه في ذلة وتصاغر.

رحت أحث صاعور على إتمام الأمر، ولكنه لم يبدُ متعجلًا.

ولدهشتي انشقت ملامحه فجأة عن ابتسامة وحشية.

انتقلت على الفور إلى وجه الشيطان الآخر.

علق كل منهما ابتسامته الكريهة على وجهه بينما راحا يتوجهان نحوي في تؤدة.

⸻

يبدو أن صوتي الذي شق سماء المقابر لم يصل إلى أحد سواي.

لم يمسني أحدهما، ولكن أعوامًا من العذاب عصفت بي، وهما يتجهان نحوي في صمت.

كانت النار تحرق جسدي من ذؤابات شعري، وحتى أخمص قدميّ.

نظرت إلى كفّي وذراعيّ، فلم أر نارًا.

تحسست جسدي بيديّ، فلم تمسّا اللهب.

هذا السعير الذي أصلاه، هل ينبعث من جوفي أم أن النار تأكل عقلي؟

لن أعرف أبدًا.

ربما تكشف لي السر بعد أن أتكوم كرماد تحت قدميهما.

أو بعد أن تنتهي تلك الأعوام من العذاب إن كان مقدرًا لها أن تنتهي.

تمت

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version